ثلاثيتك المقدسة ( الروح - النفس - الجسد )
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
أن كان الأربعون بدء النبوات فالثلاثون مرحلة تأسيسها و تليسها٬ حملتني الدنيا بين طياتها ثلاثين عاما خلالها نفضت يدي عن مبادئ كانت ثبات - اعتقدتُ ذلك - و اعتنقتُ أخرى حتى الممات - اعتقادي للوقت الراهن - إلا أن مبدأ واحد لا يزحزحه شيء و أثبتت التجارب الشخصية على مدار هذه السنوات صحته وبجداره وهو (أن الوقت كفيل بحل كل شيء).
استحضر قصة لطيفة هنا طلب الملك من صانع خواتم أن ينقش له على خاتمه عبارة أن قرأها في سروره حزن و أن قرأها في حزنه سُر فاخذ الجواهرجي ايامًا وليالي يفكر في جمله تكفي لخاتم و تحقق المطلوب وبعد سهر ليالٍ نقش (هذا الوقت سيمضي). جمله من ثلاثة كلمات قصيرة ولكن يُختصر فيها حال الدنيا كلها٬ فلا سرور دائم و لاحزن دائم٬ هذا لا يعني أن لا تعيش سرورك كاملًا أو حزنك كاملًا٬ أعطِ كل شي حقه ولكن لا تنخرط به وتنغمس و تنسى تبدل الأحوال بين ليلة وضحاها.
قد يرئ القارئ الكريم تناقض في كلامي هذا ولكن هذة عملية كيميائيه إنسانيه بالدرجة الأولى لا تصل إلى المعادلة المطلوبه التي تحقق نتائجك إلا بعد الكثير من الوقعات والوقفات في آن فتصل حينها إلى معيارك الخاص بك في التعامل مع تبدل الأحوال فكما تعلم دوام الحال من المحال. اعتقد بما اني اصبحت من حزب الثلاثين فيحق لي أن أدلي بدلو النصائح لما هم في مقتبل العمر فانا الان بمقام ( خالتو يعني).
الثلاثين حلوه لكن فقط اذا دخلتها و أنت تعرف وتفقه في ثلاث وهي:
روحك | نفسك | جسدك
يقول مصطفى محمود في كتاب الروح والجسد "سر من اسرار السعادة هو انسجام الظاهر والباطن في وحده واحده. أن السعادة في معناها الوحيد الممكن هي حالة الصلح بين الظاهر والباطن بين الإنسان ونفسه وآلاخرين وبين الإنسان والله فينسكب كل منهما في الآخر كأنهما وحدة."
الروح
الروح غريبه ووحيدة في هذه الدنيا ولا تأنس في وحدتها إلا عندما تُشبعها روحانيًا والإشباع الروحاني لا يكون إلا بالوصل مع الإله. على مدار القرون والبشرية تسعى لفهم الإله بحثو عنه بين الكواكب والنجوم اشعلو النيران وعبدوها، قدسو الصالحين وبنو لهم الأصنام.
كان احتياجهم الدوؤب في البحث عن الخالق يؤرقهم فصنعو بقدر عقولهم وعلى مد بصائرهم إله محسوسا ملموسا حتى يشبع جانبهم الروحي فأساؤوا بعملهم هذا كينونة الخالق وحقيقته فمن أحسن منهم وسعى في التفكر و المنطق وتأمل أن الخالق لا يُخلق بل يَخلق وفهم حقيقته وأنه موجود في الصدور والعقول لا بالمجسمات و الرسوم فقد توصل لحقيقة الإله وعلم أنه مهما ترحل فإلهه معه لا في حقيبة أو في قلادة بل في الجوف. كما حدث مع زيد بن عمرو بن نفيل سعى باحثا عن الحق سافر للشام يبحث عن الأديان لم تعجبه الأصنام، فهي تتنافى مع العقل والمنطق فكيف يكون إلهي في ساعة وعند جوعي اكله في الساعة الأخرى؟ كيف يكون إلهي صنع يدي وهو من صنعني؟ وصل الشام فلقي عالما من اليهود فساله عن دينه
فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله.
فقال زيد: ما أفر إلا من غضب الله! و لا أحمل من غضب الله شيئا ابدأ فهل لا تدلني على غيره؟
فقال اليهودي: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفا.
قال زيد: ومالحنيف؟ قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد، فلقي عالما من النصارى فذكر مثله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج ورفع يديه وقال اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ. * سعي هذا الرجل للبحث عن حقيقة الله. فاكرمه الله بأن جعله يُبعث يوم القيامة أمة وحده فقد وحد الله وأحسن عبادته وكان حسن الخلق فكُتبت له الجنة وهو لم يلحق بعثة النبي ﷺ.
فكيف بحالنا نحن، والحق أمامنا واضحًا جليًا كل ماعلينا هو اتباعه والتسليم به ومع ذلك نتكاسل عنه؟ ونريد لروحنا أن تنعم! تأكد أن الروح تغذيتها تكون فقط بإشباعها بمحبوبها الإلهي٬ لذلك ابدأ من روحك وحسن علاقتك بربك و حافظ على فروضك وقم بواجباتك و ( راقب الله في خلواتك فالمرء نتاج خلواته ).
اما عن النفس٬
عُرفت النفس** في بعض المراجع على أنها الروح إذا التصقت بالجسد سُميت نفسا فهي إرادتك، ذاتك، شهواتك ورغباتك تبدأ عنايتها من آخر نقطة عنايتك بروحك وهي: ( راقب الله في خلواتك ).
فمن يهذب نفسه حينما لا يراقبه شي مادي و استشعر وجود الإله بنفسه في خلوته فهذا قادر على أن يهذب شهواته ويسيطر على رغباته فمن سيطر عليهم فقد حاز ونال الخير الكثير.
ولكن النفس تهلكك أن أهديتها للفراغ، فاشغلها بما يُرهقها إيجابا و لا تجعل الفراغ ديدن حياتك٬ اقرأ٬ ابحث٬ وتحرك.
ومن هنا نصل للاخيره، وهي:
الجسد٬
جسدك حاضن روحك التي منها نفسك. مختصر الكلام هنا لو الله أراد لك الثبات لخلقك شجرة وحتى الشجره ضاق بها المكوث فمدت بجذورها نحو مسافات بعيدة لتتنفس٬ فما عذرك أيها الإنسان في عدم الحركة؟
تحرك٬ مارس رياضه و إن كانت خفيفة الشدة٬ اشغل جسدك بالحركة قبل أن يشغلك بامراض تنعكس عليك نفسيا وجسديا. لا تعتد الجلوس فتعتاد الفراغ فتشبع النفس بما هو قريب وذو لذة سريعه فتكسل روحك عن الاستجابة والحركة لواجباتك تجاه ربك.
ثلاثيتك المقدسة، أن أحسنت لها أحسنت إليك والعكس صحيح. فانشغل بتهذيبها وتحسينها ومراقبتها وتطويرها، فكل يوم هو فرصة لكسب شيء جديد تتعلمه وتحسنه فيك.
راقب مدخلاتك - بصرك وسمعك- وانتبه لمخرجاتك - لسانك- ، فالمدخلات سريعة سهلة وخطيرة إذا ماتم تنقيحها بالشكل الصحيح السليم فعينك و أذنك لا سلطة لك عليهما إذا رضخت بجسدك بالمكوث في مكان قد يشبعهمها سلبًا، فتستقبل ماتستقبله من سوء يدمر عقلك ويشقيه.
ولكن هنيئا لك أن حددت مسار جسدك و رفقتك لمكان يفيدك ويهذبك حينها حتى مخرجاتك ستتأثر بمدخلاتك التي جاهدت لأجل إصلاحها فانتقي صحبتك، وأماكنك، وحتى سُبل تسليتك فعلى ماقيل خذها بمبدأ ( دُنيا و دين).
دمتم سالمين.
المراجع:
*- ( سير أعلام النبلاء -الجزء الأول ص 76)
*- ( سير أعلام النبلاء -الجزء الأول ص 76)
**- لسان العرب - المجلد السادس من ص ٢٣٤
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق